وقف “محمد خطاب الفرقاني”.. المدرسة الدينية التي حولها “بوتفليقة” إلى ملعب لكرة القدم !

تعرضت ذكرى المناضل “محمد خطاب الفرقاني” لتهميش كبير من طرف السلطات المحلية والمركزية رغم مجهوداته ودعمه لثوار “الجزائر” و “المغرب العربي” ضد الاستعمار الفرنسي، وامتد التهميش إلى الوقف الذي تركه ببلدية “الميلية”، والذي كان عبارة عن مدرسة قرآنية تم تهديمها وتحويلها إلى ملعب كرة قدم دشنه “بوتفليقة” سنة (2014)، ولا تزال المطالب مستمرة لاسترجاعه وتجسيد مشروع جامع “محمد خطاب” مكانه.

 

الفرنسيون أرادوها دارا للمنحرفين و “محمد خطاب الفرقاني” يحولها إلى مدرسة قرآنية

تقول بعض المصادر أن الاستعمار الفرنسي أنشأ دارا بمدينة “الميلية” وجعلها وكراً للدعارة وملاذاً للمنحرفين، وهو الأمر الذي جعل السكان يثورون على هذه الخطوة التي تهدف لنشر ممارسات ومظاهر دخيلة على المجتمع الإسلامي ويشوه منطقتهم، كما قام هؤلاء بتقديم شكاوى لم تجد أي صدى أو أي رد لها، واستمر الوضع إلى اليوم الذي تقدم فيه النواب المسلمون بمذكرة لمجلسهم يطالبون فيها بإلغاء “دار الفجور”، وهو ما جعل الاحتجاجات تتصاعد أكثر واحتدم النقاش حول الموضوع، إلى أن حملت نتيجة المداولات خبراً ساراً للنواب وكذا السكان، حيث تم إخلاء الدار بمن فيها مع عرضها للبيع، وحرص بعض أعيان المدينة إلى شراء المكان سنة (1947) وتحويله إلى مدرسة ثانية بالمنطقة، وحسب المؤرخين الذين كتبوا حول الموضوع فإن الشيخ “الصالح بن عتيق” ممثل جمعية العلماء المسلمين كان وراء العملية برمتها.

 بعدها تدخل “محمد خطاب الفرقاني” الذي كان يمتهن التجارة في المغرب الأقصى، وكان “محمد” يعيش على أمل أن يشارك في الثورة ضد المستعمر الفرنسي، ما عرف عنه تقديم المساعدة المادية لأحزاب المغرب العربي، وكل نشاط معادي لفرنسا، إذ عرض على جمعية العلماء أن يقوم هو شخصياً بتبني مشروع إنشاء مدرسة وأن يتحمل جميع التكاليف الخاصة بذلك، خاصة وأنه في تلك الفترة كان يحرص على توسيع ممتلكاته من خلال شراء الأراضي والعقارات، وتحويلها إلى مدارس لتعليم القرآن من “الميلية” إلى “المغرب” مروراً بـ”تونس”.

البشير الإبراهيمي يدشن مدرسة “خطاب”

وبالفعل تم ما أراد “محمد خطاب” وتنازل محسنو “الميلية” عن المدرسة، حيث سارع المالك الجديد إلى ترميمها وتأثيثها واقتناء جميع اللوازم الضرورية لها، ليهبها بعد ذلك لطلاب العلم، لتكون المدرسة الجديدة فرعاً لمعهد “عبد الحميد ابن باديس”، وكان الافتتاح الرسمي لها يوم (23/11/1950) بحضور “محمد خطاب الفرقاني” و “البشير الإبراهيمي”، الذي أثنى كثيراً على الرجل الذي حول المدرسة إلى وقف خيري، أما عن مكونات المدرسة-حسبما ورد في أحد كتب التاريخ- فتتمثل في عدة أقسام منها الإدارة، مساكن المعلمين، مراقد الطلبة الذين كان عددهم يفوق الأربعين طالباً، يتلقوا دروسهم في إطار النظام الداخلي وأربعين آخرين نظام خارجي، كان جميع هؤلاء يدرسون لدى “عمار القلي” و “مسعود بن حميود”، ويخضعون في آخر السنة لامتحان تقييمي يتمكن الناجح به من الالتحاق بمعهد “ابن باديس” بـ”قسنطينة”، أما تكاليف الدروس، أجور المعلمين، الأكل، فكان “محمد خطاب” يقوم بدفع كل ذلك، و ظل الوضع على حاله إلى أن أغلق الفرع سنة (1957) ثم تم تهديمه منتصف الثمانينات، وبُني على أنقاضه ملعب كرة قدم إسمنتي، وهو الأمر الذي فجر قضية شغلت سكان “الميلية” ولا يزال حلها عصيا حتى اليوم.

 

نواب ولاية “جيجل” طرحوا القضية في البرلمان ولكن…

طرح عدد من نواب ولاية “جيجل” قضية وقف المناضل “محمد خطاب” في البرلمان، لكن لحد اليوم لم يتم اتخاذ أي قرار جدي لحل المشكلة المستمرة منذ سنوات طويلة، حيث دعا النائب السابق “عبد الناصر قيوس” في سؤال شفهي وجهه لوزير الشؤون الدينية والأوقاف السابق نهاية سنة (2015)، إلى استرجاع الوقف المسمى بمدرسة “محمد خطاب” والذي تعود ملكيتها لجمعية العلماء المسلمين تبلغ مساحتها (2250) متر مربع، ودرس بها حوالي (91) طالباً، التحق (40) منهم بصفوف جش التحرير الوطني أين استشهد منهم (21)، لكن رغم ذلك فقد هدمت فيما بعد وحُوِّلت إلى مستودع وملعب جواري خارجي تحت سلطة بلدية “الميلية”، مضيفاً أن الهدف من استرجاع الوقف هو تمكين الجمعية الدينية من مباشرة إنجاز مشروع جامع “محمد خطاب”، والذي-حسب الدراسة الموجودة- يتكون من عدة مرافق، قائلاً أيضاً أن ظاهرة التعدي على الأملاك الوقفية وتحويلها عن طبيعتها الأصلية من خلال برمجة مشاريع بعيدة عن أصل وقفه أمر غير مقبول، كما طالبت النائب بالمجلس الشعبي الوطني “بدرة فرخي” في سؤال شفوي موجه لوزير الداخلية والجماعات المحلية السابق أيضاً، بالتعجيل في اتخاذ الإجراءات اللازمة لاسترجاع وقف المناضل “محمد خطاب الفرقاني” والذي يتعرض للاعتداء، وقالت إن الوقف الذي تركه المناضل الكبير بالمكان المسمى حي “الخناق2″، تحت تسمية مدرسة “محمد خطاب الفرقاني”، وضع له تخصيص لإنشاء مسجد “محمد خطاب”، لكن المفارقة حسب ذات المتحدثة أن الوقف حالياً يتم استغلاله من طرف جهة غير مخول لها بذلك، وفي جانب مغاير تماماً أيضاً، حيث لا تزال القضية عالقة ولم ترَ طريقها إلى التسوية بعد، كما أكدت أن الوقف حق شرعي مكتسب لصالح بناء هذا المرفق الديني، وإن تمسك الجمعية الدينية لبناء مسجد بالوقف مؤسس ويحترم طبيعة الوقف غير القابلة للتغيير، ويحترم أيضاً تاريخ الرجال في النضال والكفاح.

أطراف تسعى لطمس آثار “محمد خطاب الفرقاني”..

الجمعية الدينية لمسجد “محمد خطاب” من جهتها كانت قد طالبت في وقت سابق من والي الولاية التدخل لدى السلطات المحلية لبلدية “الميلية”، لإيقاف اعتدائها على الوقف وتسهيل عملية إعادته إلى أصله، من خلال رفع يدها عن الملك الوقفي وإزالة الملعب الجواري المكشوف والمستودع المهترئ، مع العلم أن الملعب الجواري المذكور إسمنتي ولا يستوفي حتى الشروط القانونية لممارسة الرياضة، كما قالت ذات الجمعية إنه وفي منتصف الثمانينات تم تهديم المدرسة القرآنية التي اشتراها “محمد خطاب الفرقاني” من طرف بعض الجهات التي لها أغراض خاصة، لكن بعض المحسنين وقفوا ضد ذلك خلال تلك الفترة، وهم اليوم يطالبون بعودة القطعة الأرضية لمالكها الفعلي، وأن يتم إنجاز مدرسة ومسجد هناك مثلما كان يهدف له “محمد خطاب”.

هذا ويرى البعض أن عدم إيجاد الحل سيؤدي إلى استمرار تدهور الوضع، خاصة وأن الحي الذي يتواجد به الوقف يضم عدد كبير من السكان لكنهم لا يمتلكون مسجداً، وهو ما يستوجب وجود قرار حاسم حتى تتمكن الجمعية من مباشرة عملها، بدل أن يتحول المكان إلى مرتع للمنحرفين.

هل كانت الوزارة محرجة من هدم ما دشنه الرئيس المستقيل؟

ردت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف على تساؤلات النواب البرلمانيين بالقول إن الوزارة تحرص على مواصلة الجرد العام للأملاك الوقفية وحمايتها، لتكون مساهمة في تحصين المجتمع وبناء الاقتصاد بما توفره من خدمات اجتماعية، وأن هناك مجهودات للخروج بالأوقاف من التسيير العشوائي إلى التسيير المؤسسي المحكم، كما تم استحداث لجان ولائية مختصة بعملية التسوية القانونية للأملاك الوقفية التي تحوزها الدولة، وأكد المسؤول السابق على رأس الوزارة أن وضعية القطعة الأرضية المعنية بـ”الميلية” لا تزال محل متابعة، بدليل أن المديرية المحلية قد عبرت عن استعداداها لاسترجاع الوقف الذي كان عبارة عن مدرسة قرآنية لـ”محمد خطاب”، وقد هدمت سنة (1983) وحُوِّلت إلى ملعب وقاعة رياضة دشنها الرئيس السابق سنة (2014) خلال زيارة تفقدية للولاية، وكانت هناك محاولات سابقة لاسترجاعه من طرف جمعية “محمد خطاب”، كما أن المجلس الشعبي البلدي كان له مشروع مداولة لأجل تخصيص قطعة أرضية أخرى لبناء فضاء رياضي على سبيل التعويض، لكن –حسبه- فإن ذلك أدى إلى اعتراض الشباب الذين ألفوا ممارسة هوايتهم بذات المكان، معتبراً أن القضية يمكن أن تنتهي بتعويض هذه القطعة الأرضية لبناء مدرسة قرآنية بنفس الاسم والهدف، لتفادي هدم ما تم إنجازه وتدشينه سابقاً، وهو ما علق عليه البعض بالتأكيد أن الوزارة ورغم معرفتها الكاملة بجميع حيثيات القضية إلا أنها كانت تتماطل في إيجاد حل سريع لها، لكون الملعب الذي أُنجز على أرض الوقف دشن من طرف “فخامته” ولذلك لم يمتلك هؤلاء الجرأة لإعطاء أمر بتهديم الملعب والشروع في بناء المسجد، فهل سيتغير الأمر اليوم بعد التطورات والتغيرات التي حدثت في البلاد مؤخراً ؟.

حراث . ن

 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد