لماذا أصبحت الحرب النووية بين الهند وباكستان محتملة أكثر من أي وقت، ومن يبدأها؟

أول حرب بين قوتين نوويتين.. أصبح هذا الخطر ماثلاً أمام العالم، بعد أن قامت الهند بإلغاء الحكم الذاتي لإقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة.

ولم يكن تحذير رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان من وقوع حرب بين بلاده والهند بسبب قرار الأخيرة مبالغاً فيه، فقد نشبت أربع حروب بين البلدين ثلاثة منها بسبب كشمير.

ولكن أي حرب بينهما ستكون كابوساً عالمياً، فإنها لن تكون كأي حرب سابقة بين البلدين الجارين، لأن الحروب السابقة وقعت في زمن لم يكن أي من البلدين يمتلك أسلحة نووية، أما اليوم فإن البلدين الناميين يواصلان تكديس الأسلحة، على رأسها النووية.

لماذا يتنازع البَلَدان على كشمير؟

يرى الباكستانيون وشطرٌ كبير من المسلمين الكشميريين أنَّ الإقليم يجب أن يكون جزءاً من باكستان، استناداً إلى المعيار الذي قُسّمت على أساسه شبه القارة الهندية بعد استقلالها عن بريطانيا عام 1947.

إذ كان المعيار هو أن الأقاليم ذات الغالبية الهندوسية تنضم للهند، وذات الغالبية المسلمة تشكل باكستان (ومنها بنغلاديش التي انفصلت عن إسلام آباد في 1971).

ولكنَّ كشمير ذات الغالبية المسلمة كان يحكمها مهراجا هندوسي، قرَّر الانضمام للهند دون موافقة شعبه، وسارعت القوات الهندية بدخول الإقليم لضمِّه، وتدخَّلت القوات الباكستانية بدورها، وانتهى الصدام بسيطرة نيودلهي على ثلثي الإقليم، وإسلام آباد على نحو الثلث.

وأطلقت باكستان على الجزء الذي سيطرت عليه «آزاد كشمير»، أي كشمير الحرة، معتبرة أنه جزء محرَّر من الإقليم، في انتظار تحرُّر الباقي، بينما اعتبرت الهند الحدودَ الفاصلة بين سيطرة البلدين على شطري الإقليم حدوداً دولية دائمة تفصلها عن باكستان.علماً أن هناك بعثة الأمم الأمم المتحدة بحقِّ شعب كشمير بتقرير مصيره.

وتستند باكستان إلى حالة مماثلة حدثت في جنوب الهند بعد الاستقلال، قرَّر فيها الحاكم المسلم لإمارة حيدر آباد الثرية، ذات الأغلبية الهندوسية، عدم الانضمام للهند، والحفاظ على استقلال إمارته، ولكن نيودلهي استغلت وفاته وضمَّتها.

أي أنَّ الهند لم تأبَه لإرادة حاكم حيدر آباد في الاستقلال، لأن إمارته ذات غالبية هندوسية، وهذا ينطبق على كشمير، التي كان حاكمها هندوسياً، وغالبية سكانها من المسلمين.

لماذا ازداد احتمال الحرب بين البلدين النوويين أكثر من أي وقت مضى؟

منذ حيازة البلدين أسلحة نووية في التسعينات يُفترض أنه حدث تراجع لاحتمال الحرب بين البلدين، لأن كلاهما يعرف أن الحرب التقليدية يمكن أن تنزلق لحرب نووية.

وكان من اللافت أنه خلال أزمة كارغيل عام 1999، عندما اقتحم مقاتلون يعتقد أنهم تابعون للجيش الباكستاني مناطق السيطرة الهندية بكشمير، التزمت نيودلهي بضبط النفس.

إذ لم تُعلن الهندُ الحربَ على باكستان، واكتفت بالجهود العسكرية والسياسية لطرد المقاتلين الباكستانيين من الجبال الشاهقة في منطقة التسلل فقط.

ورغم أن الحزب الحاكم في الهند آنذاك كان حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف، فإنه لم يتوسَّع في المعارك إلى حربٍ مفتوحة، رغم الإحراج الذي سبَّبه المقاتلون الباكستانيون، الذين استغلّوا ذوبان الجليد في المرتفعات بالإقليم للتسلل واحتلال مواقع للجيش الهندي، أخلاها الجنود بسبب الشتاء القارس كعادتهم سنوياً، ليعود إليها الجنود بعد نهاية موسم الثلوج.

كان رئيس الوزراء الهندي إيتال بيهاري فاجباي آنذاك، رغم أنه يوصف بالمتطرف، يعلمُ أنَّ الحربَ المفتوحة قد تعني حرباً نووية، ولجأ بدلاً من ذلك لإدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، لتضغط على رئيس وزراء باكستان آنذاك نواز شريف، لسحب المقاتلين، بعدما فشلت الهند في طردهم عسكرياً، ولقد حقَّق له كلينتون مطلبه، رغم أن إسلام آباد قالت في البداية إنهم مقاتلون كشميريون لا يخضعون لإمرتها.

لهذه الأسباب حادثة صغيرة قد تتحول لحرب مفتوحة

رئيس الورزاء الهندي الحالي ناريندرا مودي، الذي ينتمي لحزب بهاراتيا جانتا، يبدو أكثر تطرفاً من سلفه الذي عاصر أزمة كارغيل.

فالرجل لم يكتفِ بالتحريض الداخلي ضدَّ مسلمي الهند، ومحاولة البقاء في الحكم عبر الطائفية، حتى إنه يريد إخراج معلم تاج محل الأسطوري من التراث الهندي، ولكن يحاول الاستئساد على جارته المسلمة الأضعف، وتغيير قواعد اللعبة التقليدية بين البلدين.

إذ يحمل ناريندرا مودي إسلام آباد مسؤولية أي هجوم للمقاتلين الكشميريين، بل يريد أن يكون الردّ داخل باكستان.

حدث هذا في فبراير/شباط الماضي، عندما وقع هجوم بالشطر الخاضع للهند من كشمير، وأسفر عن مقتل 40 جندياً هندياً، وردَّت الهند بتنفيذ ضربة عسكرية داخل باكستان، حيث حمَّلت جماعة باكستانية المسؤولية عن ذلك، فردَّت باكستان بدورها بإسقاط طائرتين هنديتين.

قد يبدو هدف مودي منطقياً، باعتبار أن إسلام آباد هي التي تدعم المقاتلين الكشميريين، ولكن المشكلة أنَّ دعم باكستان لهم لا يعني سيطرتها الكاملة عليهم، فهم ليسوا جنوداً في الجيش الباكستاني.

قوات الأمن الهندية في كشمير/رويترز

والأسوأ أنه مع تزايد النزعات الجهادية المتطرفة والتوجهات القومية الكشميرية يزداد احتمال مبادرة المقاتلين الكشميرين للقيام بعمل عسكري دون موافقة إسلام آباد، أو حتى دون اكتراث بمصالحها أو الأضرار التي قد تصيبها.

كما أنَّ تاريخ الجيش الباكستاني القوي مليء بالممارسات التي تتم دون موافقة السلطة السياسية، بما في ذلك الانقلاب على هذه السلطة نفسها.

وهذا السيناريو طرحه رئيس وزراء باكستان قائلاً: «الشعب الذي احتفظ بمقاومته رغم وحشية الدولة لن يتوقف لمجرد أنَّ (الهند) قامت بتغيير قانون»، مضيفاً أنه يخشى أن يقوم الكشميريون الغاضبون من قرار الهند، بشنِّ هجوم على قوات الأمن الهندية، وتُحمل نيودلهي باكستان المسؤولية عنه.

وتابع قائلاً إنه إذا ردَّت الهند على ذلك بتنفيذ ضربة عسكرية داخل بلاده، فإنَّ ذلك يفتح المجال أمام إمكانية اندلاع حرب.

ويعني كل ما سبق تزايُد احتمال تنفيذ هجوم ضدّ الهند، دون موافقة الحكومة الباكستانية.

وفِي حال قيام الهند بالثأر عبر عمل عسكري ضدّ جارتها الشمالية، فقد تجد باكستان نفسَها مضطرة للردّ، وهو الأمر الذي قد يتحوَّل لحرب مفتوحة بين البلدين اللذين يتشاركان في حدود برية طويلة لا تقتصر على كشمير.

مَن سيبدأ بالحرب النووية؟

احتمال الحرب النووية يبدو قائماً بشكل مقلق، لأسباب تتعلق بتوازن القوى بين البلدين.

ولأن الحروب بطبيعتها لا يمكن السيطرة عليها.

ولكن الأمر  الأهم هو الفارق الهائل بين عدد السكان والوزن الاقتصادي والقوة العسكرية بين البلدين.

فالهند يبلغ عدد سكانها ملياراً و324 مليون نسمة (إحصاءات 2016) أي نحو ستة أضعاف باكستان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 212 مليوناً (إحصاءات 2017).

وحجم الاقتصاد يميل بشدة لصالح الهند؛ إذ تبلغ قيمة ناتجها المحلي نحو ثلاثة تريلونات دولار، مقابل  نحو 280 ملياراً لباكستان.

الوضع نفسه يمتد للقوة العسكرية، حيث يتفوق الجيش الهندي عدداً بفضل فارق السكان، وعتاداً نتيجة ضخامة الاقتصاد الهندي، وتنوع علاقات نيودلهي الصاعدة، التي تعدُّ من الدول القليلة التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع الغرب وروسيا، الأمر الذي جعلها من الدول القليلة التي تشتري السلاح من الشرق والغرب، فيجمع سلاح طيرانها بين أحدث الطائرات الروسية  كالسوخوي 30 وبين الطائرات الفرنسية كالرافال، كما أنها عميل محتمل للولايات المتحدة مع تحسن علاقتها المطرد مع واشنطن.

الجغرافيا قد تجبر باكستان على خيار انتحاري 

رغم كفاءة الجيش الباكستاني المشهودة، فإنَّ كل ما سبق يعني أن التوازن العسكري ليس في صالحه، وقد يتعرَّض لهزيمة أسوأ من تلك التي تلقَّاها في معظم حروبه الماضية مع الهند، في ظلِّ تزايُد الفجوة العسكرية والاقتصادية بين البلدين، وتقلُّص تحالفات باكستان الدولية.

ومع الطبيعة الجغرافية للجبهة الباكستانية، التي تجعلها معرضةً لخطر الغزو من قبل الهند، يُسبِّب قرب معظم المدن الباكستانية الكبرى بما فيها العاصمة إسلام آباد من الحدود مع جارتها الأكبر، وافتقاد البلاد للعمق الجغرافي الذي يتوفر للهند، يتزايد احتمال لجوء إسلام آباد للسلاح النووي لتجنُّب هزيمة مهينة أو غزو محتمل.

وفي المقابل فإنَّ منطق الحروب النووية، الذي يقول إنَّ الهنود قد يخطر على بالهم نفس السيناريو، وقد يستبقونه بهجوم نووي قبل أن يتعرَّضوا لهجوم نووي باكستاني محتمل يشل قدراتهم العسكرية، يجعل الأمر أكثر تعقيداً.

ومما يزيد من هذا الاحتمال أن البلدين لا يمتلكان السلاح الذي منع أمريكا والاتحاد السوفيتي من التورط في حرب نووية استباقية.

فأحد أسباب عدم اندلاع حرب نووية خلال الحرب الباردة أن أمريكا وروسيا كانتا تمتلكان سلاح غواصات ضخماً يمكنه الرد بتدمير الطرف الآخر، إذا قام هذا الطرف بهجوم نووي استباقي يدمر خصمه.

إذ ستبقى الغواصات التي تغوص في البحار العميقة العصية على الاكتشاف قادرة على الانتقام وتدمير الخصم، حتى لو دمر القواعد البرية للطرف الآخر.

حَالَ هذا السيناريو بشكل كبيرٍ دون مغامرة أي طرف بشنِّ هجوم نووي مفاجئ لمحو خصمه وتحقيق النصر بضربة قاضية غادرة.

ولكن الهند وباكستان لا تمتلكان سلاح غواصات بنفس كفاءة روسيا والولايات المتحدة.

خيارات باكستان السياسية.. حتمية ولكن ما مدى فاعليتها؟

في ضوء اختلال توازن القوى لصالح الهند، وتزايُد مخاطر حرب نووية مدمرة، تبدو التحركات السياسية الخيارَ الأكثر حكمة لباكستان.

وبالفعل، هدَّد رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، الثلاثاء، باللجوء للمحكمة الجنائية الدولية.

جاء ذلك خلال جلسة في البرلمان دعا إليها الرئيس عارف علوي، لبحث الردِّ على إلغاء الهند مادة دستورية تُغيّر من الوضع الخاص الذي يتمتع به سكان إقليم كشمير المتنازع عليه بين البلدين.

ورغم منطقية هذا الخيار تبدو فاعليته محدودة،  فالموقف القانوني لكشمير ملتبس.

الكشميريون ناضلوا لعقود من أجل الاستقلال/رويترز

فقد أصرت بعثة الأمم المتحدة التي توسطت في النزاع في بدايته على ضرورة التأكد من رأي الكشميريين.

ولقد أصدر مجلس الأمن قراريه 122 و123 في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط على التوالي من عام 1957 بشن النزاع بين البلدين على الإقليم.

والقراران يتحدثان بشكل عام عن النزاع بين البلدين حول كشمير، ولم يفصلا في أحقية أي من البلدين بالإقليم.

وحتى لو حصل الباكستانيون والكشميريون على حكم لصالحهم، فليس هناك قوة قادرة على إجبار نيودلهي على تنفيذه.

ولنا في حكم المحكمة الدولية في لاهاي، بشأن عدم قانونية الجدار العنصري العازل الذي شيّدته إسرائيل في الضفة الغربية، نموذج بأن قرارات المحكمة تبقى حبراً على ورق، حتى لو كانت تحمل قيمة أخلاقية.

اللجوء لمجلس الأمن.. مَن هم أصدقاء الهند دائمو العضوية

 أما إذا لجأت باكستان لمجلس الأمن فإن تاريخه القريب والبعيد يعلمنا أن من له صديق في مجلس الأمن لا يدان أبداً.

والهند ليس لها صديق واحد في المجلس بل أربعة، إذ كل أعضاء المجلس الدائمين هم أصدقاء دائمين لنيودلهي (باستثناء الصين) بدرجات متفاوتة، أعلاها روسيا، الحليف التاريخي للهند، ومورّد السلاح الأول لها.

كما أنَّ فرنسا مورد مهم للسلاح للهند وباكستان على السواء، وإن كانت نيودلهي زبوناً أهم لباريس.

الهند روسيا صفقات السلاح
رؤساء روسيا والهند والصين/ رويترز

وبريطانيا بدورها احتفظت بعلاقات وثيقة مع مستعمرتَيْها السابقتين؛ الهند وباكستان، ولكن يظل الثقل للهند، التي وُصفت يوماً بدرة تاج الإمبراطورية البريطانية.

أما الولايات المتحدة فتزداد علاقتها متانةً مع نيودلهي، حتى إنها تتغاضى عن علاقة الأخيرة التاريخية مع روسيا، في ظل ازدياد وزن الهند الاقتصادي والسياسي، ونظرتهما المشتركة للصين، التي تريان واشنطن ونيودلهي فيها شريكاً اقتصادياً ومنافساً استراتيجياً.

في المقابل تراجعت أهمية باكستان لدى الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة، بعد الحرب الباردة كمصدٍّ للنفوذ السوفيتي، وخاصة بعدما أدت دورَها في مساعدة الغرب في إخراج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان.

حتى الحرب في أفغانستان تمثل ورقةً في يد إسلام آباد، ولكنها أيضاً من أسباب توتر علاقتها مع الغرب، والنظرة لها باعتبارها محضناً للأصولية، وهو التوتر الذي ظهر واضحاً في العلاقة المركبة غير المريحة والمتقلبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبين رئيس وزراء باكستان.

العالم الإسلامي هل يكون هو الحل؟

هناك خيارأمام باكستان هو اللجوء لظهيرها الإسلامي عبر منظمة التعاون الإسلامي.

فقد تراجع الدعم التاريخي الخليجي الذي تقوده السعودية تقليدياً لباكستان، في ظل نظرة الرياض السلبية للنظام في باكستان، الذي يجمع بين أكثر ما يعاديه ولي العهد السعودي وهو الديمقراطية والتوجه الإسلامي.

انفتاح سعودي غير مسبوق على الهند/رويترز

وفي الوقت ذاته ينفتح فيه بن سلمان بشكل لافت على الهند بقيادة مودي، غير آبهٍ بتطرفه ومواقفه المناهضة للمسلمين، الأمر الذي لا يستبعد أن يكون أحد أسباب تجرؤ الأخير في الملفات المتعلقة بالمسلمين.

وتمتلك دول الخليج ورقة قوية للضغط على الهند، عبر العمالة الضخمة التي تستقبلها من هناك، ولكن يبدو أن السعودية الجديدة تتخلى تدريجياً عن علاقتها التاريخية مع باكستان، ولَم تعد تكترث كثيراً بقضايا المسلمين.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون موافق قراءة المزيد