“شهيد السلام” محمد الصديق بن يحي في الذكرى 37 لوفاته… ” مات ولم يترك فلسا واحدا في حسابه”

إنجازات الرجل لاتزال تحكي عنه اليوم

احتفلت ولاية جيجل يوم الخميس الماضي بالذكرى الـ37 لرحيل شهيد السلاممحمد الصديق بن يحي الذي ترك ورائه سجلا حافلا بالإنجازات والألقاب، وحرقة في قلوب من أحبوه خاصة بعدما بقي سر مقتله غامضا، وحسب تصريحات الأساتذة والمحللين السياسين فإن الأوضاع في الجزائر وخارجها كانت ستختلف كثيرا عن ماهي عليه اليوم لو بقي محمد الصديق بن يحي على قيد الحياة لأنه كان سيفعل الكثير للجزائر، وللوطن العربي ككل بسبب حنكته السياسية وذكائه الكبير.

من جيجل إلى العاصمةشغف بالسياسة وحب للعلم

ولد محمد الصديق بن يحي بتاريخ 30جانفي 1932 بمدينة جيجل وبالضبط بالبيت رقم 37 الكائن بشارع “سي الحواس” حاليا، وفي سنة 1939 أمسكه والده من يده وأخذه إلى ملحقة إكمالية الشهيد زعرور أحمد حاليا التي كانت تضم أبناء المعمرين وكذلك أبناء النبلاء والمحظوظين من العرب القاطنين بالمدينة، ومنذ الأيام الأولى أثار محمد الصديق بن يحي انتباه معلمته “قالزان “التي لمست فيه استعدادا كبيرا قلما لاحظته عند غيره من التلاميذ، هذا وقد قضى فيها 03 سنوات كلها جد واجتهاد مكنته من اكتساب قاعدة تعليمية أهلته لمتابعة مشواره التعليمي بتفوق ونجاح، ورغم ذلك فإن والده لم يغفل عن ربطه بجذوره الإسلامية، فسلمه للشيخ “محمد الطاهر الساحلي ” ليلقنه العربية وقواعدها في مدرسة الحياة التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أين تشبع بروح الوطنية وانخرط بعدها في صفوف الكشافة الإسلامية ونشط بها، وهناك بدأ يتجه إلى العمل السياسي وبرزت إلى حد كبير ملامح شخصيته القوية، انتقل بعدها إلى مدينة سطيف لينظم إلى مدرسة أوجان إيبرتيني ليقضي هناك 04 سنوات أخرى، تعرف خلالها بالشخصية السياسية ” عبد السلام بلعيد ” الذي كان يدرس بنفس الثانوية ثم التحق بثانوية الأمير عبد القادر بباب الواد إلى غاية حصوله على شهادة الباكالوريا، ومن هناك التحق بجامعة الجزائر المركزية ليكمل دراسته العليا بمعهد الحقوق أين تحصل على شهادة الليسانس سنة 1955 وبالتوازي مع دراسته في الجامعة اشتغل مراقبا داخليا بثانوية بجاية.

أنا متزوج بالسياسة

اهتم محمد الصديق بن يحي بالسياسة منذ الصغر واحتك برجالها على المستوى المحلي، وكان يناقش في شتى المسائل وأخذ عنهم الكثير من حب الوطن والدفاع عنه، وكذا الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية وعدم السماح بطمسها من قبل الاستعمار، وقد ذكر ابن عمه عمر بن يحي، في حديثه لـ”جيجل الجديدة” بأنه كان شغوفا بالسياسة، فقد كان يذهب إلى مقهى بالقرب من المنزل المتواجد بساحة سي الحواس حاليا ويجتمع مع الكبار ويستمع لما يدور من أمور سياسية وهو في سن مبكرة، وقد فضل السياسة والوطن على حياته الشخصية حيث أنه لم يتزوج حتى سن 40 سنة، وحين كانت والدته تطلب منه ذالك كان يجيبها أنا متزوج بالسياسة، ويعد أول نشاط سياسي مارسه محمد الصديق بن يحي ترأسه للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، حيث انضم لإضراب الطلبة في 19ماي 1956 وهو تاريخ التحاقه بالكفاح المسلح بعدما كان ينشط بالمنظمة السرية، وفي ذات السنة اكتشفت المخابرات العسكرية أمره مما اضطره للإختفاء عند محامي لمدة شهر بشارع الحرية، وتم خلال هذه الفترة تدبير عملية إخراجه وتهريبه إلى مصر عن طريق تونس أين اشتغل محمد الصديق بن يحي محررا ومذيعا بصوت العرب الذي كان يبث من القاهرة . وخلال 1957 سجل محمد الصديق بن يحي حضوره في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما شارك سنة 1958 في الندوة الأفرو-أسيوية المنعقدة “ببناندونغ “الأندونيسية .

مهندس اتفاقيات وقف إطلاق النار

عين محمد الصديق بن يحي أمينا عاما لأول حكومة جزائرية برئاسة “فرحات عباس “، فأدى هذه المهمة بتفاني وإخلاص، وسرعان مااكتشف قادة الثورة آنذاك مواهبه الكبيرة وذكائه الخارق مما أهله وبسرعة للدخول في شؤون السياسة والدبلوماسية من بابها الواسع وعمره لايتعدى 26سنة، وكان له دور حاسم في مراحل المفاوضات وهو أحد مهندسي اتفاقيات وقف القتال فقد كان ضمن الوفد المشارك في “ميلون “سنة 1960، و”إيفيان الأولى” بتاريخ 20 ماي 1961 بمدينة إيفيان الفرنسية ومحادثات “لوغران” أيام 28 و 29أكتوبر1961في مدينة “بال” السويسرية وكذا مفاوضات “ايفيان الثانية” في مدينة ايفيان مع كريم بلقاسم، سعد دحلب، لخضر بن طوبال، محمد يزيد، عمار بن عودة، رضا مالك والصغير مصطفاوي التي امتدت من 07 إلى 18مارس 1962 أين توجت بإعلان توقيع اتفاقيات “إيفيان” وإقرار وقف إطلاق النار والدخول في مرحلة انتقالية وإجراء استفتاء تقرير المصير .

نشاطه الدبلوماسي

كلف محمد الصديق بن يحي بمهام سفير الجزائر في موسكو إلى غاية 1966، ثم وزير الإعلام و الثقافة من 1966إلى 1970، أين ترك بصمة بارزة في قطاع الثقافة والإعلام من خلال الإنجازات والبرامج التي تحققت، خاصة الصورة المشرفة التي قدمها عن الجزائر خلال المهرجان الثقافي الإفريقي الأول الذي نظم بالجزائر، وسجل مشاركة الفنانة مريام ماكيبا صاحبة رائعة “ماما أفريكا”التي أبدعت في تأدية أغنيتها الشهيرة “أنا حرة في الجزائر”، ثم وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي من1970 إلى غاية1977، حيث عرفت الجامعة خلال توليه حقيبة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تطورا ملموسا وتفتحا على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، ليعين بعدها وزيرا للمالية من سنة 1977إلى 1979، لينتهي به الأمر وزيرا للخارجية من سنة 1979 إلى غاية1982 قام باسترجاع الجزء الأول من أرشيف الجزائر المسروق من طرف فرنسا إلى أرض الجزائر، ولعب دورا فعالا في إطلاق الرهائن الأمريكيين الذين كانوا محتجزين في طهران ثم الشروع في الوساطة لانهاء الحرب بين العراق وايران.

حقيقة اغتيال صدام حسين لمحمد الصديق بن يحي

بعد مرور سنة على سقوط الطائرة التي كان على متنها محمد الصديق بن يحي سنة 1981 ببماكو المالية إثر تقلب مفاجئ في الأحوال الجوية ونجاته من الموت بأعجوبة، تكررت الحادثة إذ سقطت طائرة بن يحي “كرومان 63″على الحدود التركية الإيرانية في 3ماي 1982 لكنه لم ينجو هذه المرة من الموت. وقال عمر بن يحي بأن محمد الصديق ذهب في تلك الفترة التي وقعت فيها الحادثة مع الرئيس الشاذلي بن جديد لأداء مناسك العمرة، فاتصل به صدام حسين من أجل القدوم إلى العراق، وقد طلب منه الرئيس الشاذلي أن يذهب مباشرة من هناك، لكنه أبى ذلك بسبب عيد ميلاد إبنه الوحيد، فحضر عيد ميلاد ابنه وغادر في اليوم الموالي في مهمة السلام، ولكن للأسف لم يكمل المهمة التي كان بصدد القيام بها فقد أنهى سقوط الطائرة حياته وكان حائلا دون ذلك. من جهة أخرى أكد ابن عم الشهيد محمد الصديق بن يحي بأن السلطات الجزائرية قامت بفتح تحقيقات موسعة من أجل معرفة المتسبب في إغتياله، حيث قاموا بأخذ الصاروخ الذي تم قصف الطائرة التي كان على متنها للفحص بالحجار أين وجدوا آثارا من طلاء الطائرة عليه، وتبين فيما بعد أن الصاروخ روسي، في حين صرحت روسيا بالقول أن الصاروخين بيعا للعراق، وقد أخد صالح قوجيل وزير النقل نتيجة التحقيقات وذهب عند صدام حسين الرئيس العراقي حيث قدم له كل الدلائل التي تأكد بأن الصاروخين بيعا للعراق من طرف الاتحاد السوفياتي، فالتزم صدام الصمت ولم يقل شيئا حول ماحدث، كما قال ذات المتحدث:” الرئيس الشاذلي بن جديد وعد أن يصرح بنتيجة التحقيق والإدلاء بالحقائق المخفية لكنه لم يفعل ولا نعلم لماذا؟”، وفي ذات السياق صرح الأستاذ خوالدية فؤاد، بأن النظام العراقي السابق هو الذي قام باغتيال محمد الصديق بن يحي، بالرغم من أن هناك جهات أخرى تحاول أن تبرهن بأن الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني هي التي تقف وراء ذلك، ولكن لحد اليوم ففي تصريحات صالح فوجيل وزير النقل السابق شبه تأكيد على أن النظام العراقي هو المتورط في الحادث، فالصاروخ الذي اغتيل به كان صاروخ سوفياتي الصنع اشتراه النظام العراقي الذي لم يفنذ ولم يؤكد تورطه في الجريمة، فالصمت الذي أظهره النظام العراقي هو الذي جعل الشكوك تحوم حوله، كما أن تشييع جنازة الشهيد عرفت تخلف وزير الخارجية العراقي طارق عزيز عنها، ولما سئل عن السبب لم يكن جوابه مقنعا مما ترك علامات استفهام كثيرة.

محمد الصديق بن يحي يقوم بما عجزت عنه كبرى الدولتحرير الرهائن الأمريكيين

تعبر قضية الرهائن الأمريكيين في إيران من أعقد القضايا التي واجهت الولايات المتحدة الأمريكية ولم تستطع هذه الأخيرة رغم عظمتها أن تفك رهائنها المحتجزين سواء بالحل السياسي أو العسكري، إلى أن جاء وزير الخارجية الجزائري محمد الصديق بن يحي الذي كان يعتبر رجل المهمات الصعبة أنداك واستطاع أن يفك هؤلاء الرهائن وقد لقبته جريدة “باري ماتش” الفرنسية بثعلب الصحراء.

انطفاء شمعة من عاش للسلام ومات له

لقد كانت الجزائر شعلة متقدة بصدره تشغل باله وتسكن قلبه فأعطاها كل مايملك من الحب، الوفاء والاخلاص، استشهد محمد الصديق بن يحي في 03 ماي1982 ودفن بمقبرة العالية، وترك ورائه سجلا حافلا بالانجازات وابنا لا يذكر أباه فقد تركه صغيرا، وكلما يأتي للجزائر يسأل دائما عن ذلك البطل إن كان يشبهه ولو في بعض ملامحه، وقد صرح عمر بن يحي بأن هذا الإبن لايكف عن السؤال عن والده والفضول ينتابه في كل مرة حول شهيد السلام الذي ارتبط اسمه بمفاوضات “ايفيان “بفضل فطنته وذكائه فأصبح يلقب منذ ذلك الوقت “برجل الفاصلة” هذا الرجل الذي استشهد وهو يؤدي أنبل مهمة وهي مهمة نشر رسالة السلام بالعالم.

أساتذة وباحثون يشيدون بـشهيد السلامفي الذكرى 37 لوفاته

مدير المجاهدين شنة نور الدين:” أبسط واجب وعرفان نقدمه لرجل السلام العالمي الذي ترك بصمات واضحة في تاريخ الجزائر أن نشيد ذكراه ونحتفي بإنجاتاته ونستمد وطنيتنا منه، ونعلمها للأجيال القادمة من أجل النهوض بهذا الوطن”.

ابن عمه عمر بن يحي: ” محمد الصديق بن يحيكان شخصا كان متفانيا في عمله،مخلصا لوطنه لم يترك في حسابه البنكي فلسا واحدا وحتى بعض المستحقات التي كانت عليه والتي تركها ورائه دفعتها عنه عائلته”.

خوالدية فؤاد أستاذ محاضر بكلية العلوم السياسية:” محمد الصديق بن يحي من عظماء الجزائر الذين وهبوا حياتهم لخدمة هذا الوطن لن تنساهم الذاكرة وسيظل إسمهم محفورا في ذاكرة الأجيال”.

بوقلمون داود أستاذ بقسم علم الإجتماع:” شخصية سياسية محنكة علمته الظروف التي عاشها كيف يصل إلى ذاك المستوى الذي كان عليه تفتخر ولاية جيجل والجزائر كلها أنها أنجبت مثل محمد الصديق بن يحي، ولو بقي حيا لأعطى الكثير للجزائر، ولكان من المتحصلين على جائزة نوبل للسلام”.

عميور فاروق أستاذ التاريخ بجامعة جيجل:”محمد الصديق بن يحي من أعظم وأكفأ الإطارات التي أنجبتهم الثورة الجزائرية حيث ساهم بشكل إيجابي قبل وبعد استقلال الجزائر لذلك وجب علينا نحن كجيل مابعد الاستقلال أن نسعى من أجل تنوير الأجيال القادمة حول هذه الشخصية الفذة”.

الإعلانات

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد