“الفساد منتشر في جميع المؤسسات والمستويات وجيجل ليست إستثناء”

قال الأستاذ السعيد هري، الباحث السابق في المعهد الوطني للبحث العلمي بباريس والناشط السياسي ورئيس جمعية الرقي الحضاري الولائية، في حوار لـ”جيجل الجديدة”، إن الفساد منتشر في جميع المؤسسات والمستويات عبر الوطن، وولاية جيجل لا تشكل استثناء في ذلك، سواء كان فساد الأوامر والتعليمات الفوقية أو الفساد المرتبط بالمنافع الضيقة للأشخاص.

أهلا بك، بداية، كيف تقرأ تصريحات رئيس الأركان أحمد قايد صالح من قسنطينة، وتشديده على ضرورة محاسبة المفسدين؟

بالنسبة لخطاب رئيس الأركان، أفضّل قراءته داخل السياق التاريخي والسياسي والجيواستراتيجي. فمن الناحية التاريخية، فجيشنا وطني شعبي وسليل جيش التحرير ووفي لذلك. ومن الناحية السياسية، فقد ورث ثقل كبير ناتج عن انحراف في القرار السياسي في بداية التسعينيات، تلته فترة أسست للفساد عبر سيطرة قوى غير شرعية على مفاصل القرار بعد مرض الرئيس، مما أدى إلى تعفّن الوضع الإقتصادي وتصحّر الساحة السياسية من الكفاءات الوطنية الخيّرة، وتوفّر شروط تقديم المتملّقين والمتسلقين وأصحاب الرداءة والفساد. أما من الناحية الجيواستراتيجية، فالجيش عليه أن يأخذ في الاعتبار كل الضغوط والتهديدات الخارجية خاصة على الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية، فإذا أخذنا كل هذه المعطيات في الاعتبار، نجد بأن الجيش في هذه المرحلة الحرجة داخليا وخارجيا يواجه وحده الإختلالات الداخلية والتهديدات الخارجية، وانطلاقا من ذلك نفهم بأن خطاب الجيش هو خطاب تهدئة للشعب واستنجاد به من أجل مساعدته في تحمّل الضغوط الخارجية والصبر عليه في تصفية الصفوف الداخلية من القوى غير الشرعية وجيوب الفساد المالي والإداري المتغلغل في مختلف مفاصل مؤسسات الدولة، وذلك لتجنب صراع داخلي حقيقي وخطير تريده بعض القوى الخارجية وامتداداتها الداخلية المسيطرة على بعض مفاصل الدولة العميقة منذ بداية التسعينيا، إضافة إلى التأسيس للعودة إلى سكة بناء دولة بيان أول نوفمبر التي تجمع أبناء الجزائر الأوفياء مهما كان تاريخهم وجغرافيتهم ولسانهم، إخوة في الدين سواسية في الوطن.

الجهات الأمنية المختصة باشرت حملة تحقيقات حول الفساد المالي وتزوير توقيعات لصالح المترشح السابق بوتفليقة في عدة ولايات ومنها ولاية جيجل، هل تعتقد أن البلدية والولاية كانت أعين للنظام طيلة المرحلة الماضية وأن التحقيقات ستطيح بإطارات على المستوى المحلي؟

الفساد منتشر في جميع المؤسسات والمستويات عبر الوطن، وولاية جيجل لا تشكل استثناء في ذلك، سواء كان فساد الأوامر والتعليمات الفوقية أو الفساد المرتبط بالمنافع الضيقة للأشخاص. ومهما يكن، أثمن تحرر السلطة القضائية، وإن كان نسبيا في هذه المرحلة ويحتاج إلى جرأة أكبر في ظل تعديل العصابة للقوانين لتتمكن من استنزاف الثروة وتوجيه الإدارة نحو خدمة ديمومتها وعدم قدرة العدالة على محاسبتها. نعم الكثير من التصرفات كانت تصب في مصلحة سلطة الأمر الواقع على المستوى الوطني، وأفضل مثال على ذلك كما أشرتِ التوقيعات التي جُمعت للمترشح السابق بوتفليقة انطلاقا من ملفات وسجلات المواطنين في بعض الإدارات والبلديات بإمضاءات مزورة. إنها سياسة منتهجة ومُعترف بها من قبل قيادات وطنية في بعض أحزاب السلطة، ونأمل أن تأخذ العدالة مجراها لتصفية الإدارة والمجالس المنتخبة من المتلاعبين بالسيادة الشعبية التي هي أساس قيام الدولة الجزائرية كما ينص عليه الدستور في المادة السابعة.

ماهي الأولوليات في نظرك اليوم: مرحلة انتقالية أم تطهير البلاد من الفساد؟

الأولوية اليوم لوحدة الشعب ومعه الجيش ومختلف أسلاك الأمن من أجل تحقيق أهداف الحراك المتمثلة في تحرير الدولة من السلطة الفاسدة، وتحرير السلطة من العصابة الداخلية المفسدة ومن الوصاية الخارجية النافذة، ثم بناء الجمهورية النوفمبرية الأولى التي تسمح للشعب بأن يختار بحق وصدق من يخدمه وليس من يحكمه. أما بالنسبة للآليات، فلا يمكن أن يكون انتقال سلس للسلطة في ظل وجود أفراد العصابة وآليات التزوير، وهذا يتطلب تطهير البلاد منهم عبر العدالة وقرارات سياسية جريئة. ولا يمكن تحقيق التغيير الهادئ والبنّاء في ظل الفراغ الدستوري الذي يسعى البعض إليه من أجل فرض هيئة تأسيسية غير مضمونة العواقب، في حين أن الحل يكمن دستوريا في اختيار هيئة رئاسية من شخصيات وطنية بشروط ويرضى عنهم الحراك لفترة قصيرة على أساس المادة 7 و8 من الدستور، أو عبر إعلان دستوري مُستمد منها كخريطة طريق يقومون أثناءها بتعيين حكومة كفاءات وطنية، والقيام بتعديلات دستورية في باب السلطات، وبالتعديلات القانونية الضرورية وخاصة قانون الانتخابات، ثم تأسيس لجنة وطنية مستقلة للإشراف على تنظيم الانتخابات من بدايتها إلى إعلان نتائجها. وبذلك تعود السيادة والكلمة للشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة، تسلِّم الهيئة الأمانة بعدها وترحل مشكورة مأجورة، فتكون نتيجة ذلك الجمهورية النوفمبرية الأولى التي عطّلتها التجاذبات السياسوية الداخلية والخارجية منذ الاستقلال.

شكرا لك على جميع هذه التوضيحات.

شكرا لكم، وأشكر جريدة “جيجل الجديدة” التي منحتني هذه الفرصة للتعبير عن موقفي من الأحداث التي تجري في بلدنا وولايتنا.

حاورته: حراث . ن

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون موافق قراءة المزيد