العودة في زمن “كورونا”…من “فرنسا” “الجزائر” إلى “جيجل”

239

    كان لتفشي جائحة “كورونا” القادمة من “ووهان” الصينية تداعياتٍ كبيرةٍ لن تمر مرور الكرام ولو بعد سنواتٍ، فقرابة الثلاثة أشهرٍ فقط كانت كافيةً لإجبار المواطنين على التخلي عن حياتهم الطبيعية والخضوع لحجرٍ منزليٍّ، “جيجل الجديدة” نقلت شهادة أحد “الجواجلة” القادمين من ديار الغربة.

هذا المواطن “الجيجلي” هو الباحث السابق في المعهد الوطني للبحث العلمي، “سعيد هري” الذي قال لـ”جيجل الجديدة” أن طبيعة الولاية الخلابة من شمسٍ وبحٍر وجبالٍ وغاباتٍ ومجاري مائيةٍ صافيةٍ في شعاب المرتفعات ووديان المنخفضات لطالما دفعت المهاجرين “الجواجلة” في الداخل والخارج لزيارة بلادهم وأريافهم في هذه الفترة من كل سنة، ولكن ربيع هذه السنة جاء مغايرًا تمامًا بالنظر إلى ظهور فيروس “كورونا”، مضيفًا أن هذا الفيروس ظهر في “أوروبا” مع بداية سنة(2020)، وبدأ ينتشر تدريجيًا ومعه التعليمات الوقائية التوعوية ثم الإجرائية المفروضة، وهو وضعٌ لم يمنعه من حجز التذكرة كعادته للسفر إلى بلديته الأم “العنصر”، لكن ومع اقتراب موعد السفر تعقد الأمر مع الوباء وتأزم أكثر في “فرنسا”، فوجد محدثنا نفسه مثل الكثير من المهاجرين أمام خيارين أحلاهما مر، إما إلغاء الرحلة وهذا ما قام به كثيرون، أو السفر رغم المخاطرة والخطر. وهنا جاء قرارٌ بعدم التراجع والشروع في اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية للوقاية القبلية وأثناء السفر والبعدية، حيث قال: “أسبوعين قبل تاريخ السفر بدأت في التحضير عبر حجر صحيٍّ اختياريٍّ في البيت، فتوقفت عن الخروج إلا للضرورة القصوى مع الاحتياطات الوقائية، ثم قبل السفر بيومٍ زرت الطبيب لاستشارته والقيام بالفحوصات الضرورية التي جاءت جد مطمئنة، وكانت الوجهة يوم “13 مارس 2020 ” إلى “الجزائر”.

كيف كانت الأمور في “فرنسا”؟

    وقد أكد السيد “هري” في ذات التصريح أن التعليمات الرسمية في أوروبا عمومًا وفي فرنسا خصوصًا في تلك الفترة كانت تمنع المصافحة والتقارب بين الناس في جميع الفضاءات المهنية الخاصة والعامة والتجمعات بجميع أنواعها، وهي قراراتٌ كانت صعبة التنفيذ في البداية نظرًا لعقلية الكثير من الفرنسيين الذين يتظاهرون بتمسكهم بحريتهم الفردية والجماعية، دافعهم الأساس في ذلك التجاهل مادام الخطر بعيدًا عنهم، ولكنك تجدهم أول المنتقدين والناقمين والمحتجين على عدم احترام التعليمات عندما يقع الفأس فوق رؤوسهم، أما المغتربون فقال عنهم: ” كلٌ حسب مستوى وعيه والتزامه، كنا معتادين في العموم على الإجراءات الوقائية مقارنة بالكثير من أهلنا في الجزائر، وخاصةً أولائك الذين كانوا حينها يعيشون مرحلة التساؤل عن حقيقة وجود الفيروس من عدمه، وعن نظرية المؤامرة بجميع احتمالاتها الواقعية والافتراضية والخيالية”.

“السلام عن بعد” وإجراءات الوقاية صعبة التنفيذ…

    في مطار “هواري بومدين” بالعاصمة حطت الطائرة التي كانت تقل محدثنا، الذي كشف عن توجهه مباشرةً نحو “العنصر” بـ “جيجل” وحيدًا في سيارته الخاصة، لكن بعد وصوله ببضع ساعاتٍ حدث طارئٌ عائليّ (وفاة أحد أفراد عائلته في العاصمة) مما اضطره للعودة ليلتها، مشدّدًا على حرصه على الحضور محترمًا أهم شروط وتعليمات الوقاية التي لم تفرض بعد في “الجزائر”، كما قال أن تلك الإجراءات كانت صعبة التنفيذ في الوسط العائلي، بسبب عدم تفهم البعض وغضب البعض الآخر من اكتفائه بالسلام عن بعد، ولكنه وجد بعد ذلك تفهمًا واحترامًا من الأغلبية الساحقة بعد الشرح والتفصيل. من جانب آخر، فقد أسر لنا بوصول معلوماتٍ له يوم “16 مارس” تفيد بأن الحدود سوف تغلق يوم “17 مارس” كآخر أجلٍ، مما يعني أنه سيكون مجبرًا على اتخاذ الإجراءات الضرورية للعودة إلى “فرنسا” في الحال، لكنه فضل العودة إلى “العنصر” لمواصلة الرحلة على أساس لا رجعة ولا تراجع.

فوبيا المهاجرين والمغتربين تجتاح المجتمع

    بالتزامن مع هذا التاريخ، بدأت السلطات الجزائرية في فرض التعليمات الوقائية تدريجيًا، وبدأ الناس يتحدثون عن فيروس “كورونا” بجديةٍ أكثر، خاصةً بعد ظهور عدة حالاتٍ في بعض الولايات أهمها “البليدة”. وبدأ الحديث عن المهاجرين والمسافرين العائدين من الخارج، وهو الأمر الذي وصفه محدثنا بالقاسي أحيانًا والمعبر عن ظهور فوبيا المهاجرين إلى درجة وضعهم من قبل البعض في خانة الإجرام والتكليف بمهمة نشر الفيروس في “الجزائر”، خاصةً وأن كل الحالات التي يتحدثون عنها سببها مغتربون جاؤوا من “فرنسا”، حيث قال “السيد هري”: ” لقد كنت واحدًا منهم، ولكنني في قرارات نفسي لم أكن معنيًا بالموضوع نظرًا لما اتخذته من إجراءاتٍ، ثم بمجرد تواصل البعض معي عبر وسائل التواصل الاجتماعي في التعليقات وعلى الخاص يلوموني على خطأ وخطر عودتي في هذه الظروف، حاولت طمأنتهم بشرح الأمر وأسباب الخطر وكيفية تقديم أسباب الوقاية والحجر، وبأن المهاجرين سواء كانوا مقيمين أو سياح عائدين هم جزائريون مثلهم، ولهم حق العودة إلى بلادهم، مركزًا على أن عدد العائدين يوميًا يعد بالآلاف عبر كل مطارات “الجزائر” الدولية، وبذلك فنسبة الحالات قليلةٌ جدًا مقارنة بالعدد الإجمالي للمسافرين، كما اعتبر أن الأمر الوحيد الذي يجب الحرص عليه للحد من انتشاره هو الوقاية والالتزام بتعليماتها وأهمها الحجر لأسبوعين بعيدًا عن أي تواصلٍ مباشرٍ مع الناس، سواء كان السفر من الخارج إلى الداخل أو من الداخل نحو الداخل العميق في القرى والمداشر.

رد الفعل: تردد رسمي وتهاون شعبي

   حسب تصريحات ذات المتحدث، فالتمعن في تحرك السلطات الجزائرية في بداية الوباء يجده محتشمٌ، وأنها لم تستغل فرصة الوقاية الاستباقية، بل تأخرت في تطبيقها عما يجب بأسبوعين أو أكثر، فقد كان بإمكانهم غلق الحدود قبل دخول الفيروس لا بعده، إضافةً إلى تطويق الفيروس في المناطق التي ظهر فيها عبر الحجر الكلي لها ولسكانها قبل انتقال أي واحدٍ منهم إلى مناطق أخرى من الوطن، وكذا فرض إجراء الحجر الإجباري لكل وافدٍ من الخارج في بيته لأسبوعين على الأقل. لكن سعيد هري قال:”للأسف عشنا بعض التردد الرسمي والتهاون الشعبي إلى أن وقع الفأس في الرأس، وبدأنا نسمع عن إصاباتٍ هنا وهناك في مختلف الولايات، ونتابع الوضع يوميًا وخاصةً الوفايات، وانطلقت الإشاعات تلهب مخاوف الناس، فأصبح الكل يخاف من الكل، مما ساهم في تطوير الحس المدني الوقائي عند الكثير، فجعل الجميع يبحثون عن وسائل الوقاية من كمامات ومحاليل التعقيم والإعداد للحجر، خاصة بعد قرار الحكومة بفرضه كليًا أو جزئيًا في عديد مناطق الوطن، فنتج عن ذلك واقع متناقض من التضامن والتنافر والتناحر”. فالتضامن يقول محدثنا أنه جاء من قبل تنظيماتٍ وطنيةٍ ومحليةٍ لمساعدة المحتاجين وتعقيم مختلف الفضاءات، والإبداع بمختلف الاختراعات، أما التنافر فكان السائد أيضًا بين الناس حتى أصبحت كلمة “كورونا” تعني ابتعد عني ولا تقربني بجديةٍ مازحةٍ، في حين أن التناحر كان من أجل الحصول على مختلف المواد الوقائية والغذائية التي لعبت الإشاعات لعبتها القذرة في نذرتها، فأصبح الناس يتناسون خطر التجمع والاجتماع من أجل الظفر بكيس سميد، رغم أن المختصين في مجال الصحة و نشطاء التوعية جف ريقهم وحبرهم من النداء المستمر للتحذير من خطر تلك التصرفات غير المسؤولة، ولكن قد أسمعت لو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمن يجري وراء تكديس السميد. وفي ذات السياق اعتبر العائد إلى مسقط رأسه “العنصر”، أن الحكومة اتخذت إجراءاتٍ عديدةٍ صارمةٍ أحيانًا ومحتشمةً أحيانًا أخرى لمواجهة العدوى وتصرفات البعض كان لها دورًا كبيرًا في الحد من انتشار المرض، كما كان للذين احترموا الحجر من تلقاء أنفسهم واحترام تعليمات الوقاية دورًا أكبر، ولكن البعض للأسف –يضيف- دخل في لعبة القط والفأر عن جهل أو تجاهل للتعليمات. فرغم غلق المقاهي فبعضها يبيع تحت الطاولة، ورغم غلق المساجد يجتمع الناس خارجها أكثر من اجتماعهم داخلها، وإجراءات التباعد في الكثير من الفضاءات بدأت بالتلاشي تدريجيًا، ثم جاء شهر رمضان فازداد ذلك وتضاعف، واليوم اقترب العيد فأصبح بعض تجار الملابس يبيعون تحت الطاولة، كل هذه المشاهد يصفها محدثنا بالتخبط الاجتماعي.

الحجر الاختياري والبعد عن العائلة الصغيرة…

    بعد مرور عدة أسابيع في الحجر الاختياري بالعنصر دون أي شبهة لأعراض المرض، أصبح شاهد ضيف “جيجل الجديدة” في نظر الناس من المحليين لا المغتربين، خاصةً وأنه أكد تفضيله البقاء في الحجر احترامًا لقناعاته ولعلمه بأنه يكفي لقاء واحد مع حامل للفيروس ليصاب، ثم قد ينقله لغيره، وهو ما يعد مسؤولية معنويةً كبيرةً أساسها: “…مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…” (المائدة : 32). لكن رغم ذلك، فقد عانى مرارة فراق العائلة الصغيرة، حيث قال: “إن أصعب وأقسى إحساس إنساني عرفته في الحجر هو بُعدي عن عائلتي الصغيرة رغم قربها مني عبر التواصل التكنولوجي وخوفي عليها من أي مكروه في غيابي، وقد تضاعف هذا الشعور مع حلول شهر رمضان والحاجة إلى العودة للصيام مع أهل بيتي”.

بين منطق الدولة ومنطق الأفراد…و للحجر إيجابيات

   وصف السيد “سعيد هري” الوضعية التي عاشها بالصعبة جدًا، لكنه أكد أن وضعية المسافرين الجزائريين العالقين في مختلف المطارات والإقامات المؤقتة في العالم كانت الأصعب رغم ما قامت به السلطات من اجتهادٍ لإجلائهم ولازالت والطريق طويلٌ وشائكٌ، مضيفًا أنه لا يمكن إنكار المجهودات الكبيرة التي بذلتها الدولة وإلى جانبها النخبة والمجتمع المدني، وخاصةً في مجال التوعية والوقاية الفردية والجماعية، فالدولة تفكر بمنطق حماية المجتمع والأفراد منه بكلياتهم وليس بجزئياتهم، أما الفرد فمسؤول عن حماية نفسه، ليختتم حديثه لـ “جيجل الجديدة” بالقول: ” نعم، الحجر صعبٌ في تصور من يراه حجرًا في حذائه، ولكنه في الحقيقة وقتٌ ثمينٌ يمكن لكل واحدٍ منا استثماره حسب حاجته وظروفه وإمكاناته للإبداع، فيحوله بذكائه إلى راحة مدفوعة الأجر، وفي بادية “جيجل” و”العنصر” أراه أكثر من ذلك فهو عملٌ وإبداعٌ وراحةٌ وسياحةٌ مدفوعة الأجران، فنِعم الأجر والأجر رغم الحجر”.

حراث . ن

الإعلانات

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون موافق قراءة المزيد