الزلزال الذي قضي على حضارة مدينة جيجل و اندثار تاريخ عمره أكثر من عشرين قرنا

نظمت جمعية جيجل العتيقة لإحياء التراث الثقافي المحلي، محاضرة تاريخية، علمية قيمة من تقديم الأستاذ مصطفي بليبلي، بالمركز الثقافي الإسلامي أحمد حماني، تحت شعار ” جيجل القديمة، العمران المفقود”إعادة تشكيل ثلاثي الأبعاد لمدينة جيجل، وقد تم خلالها عرض صور فوتوغرافية تاريخية لأول مرة بالإعتماد على تقنية التشكيل ثلاثي الابعاد مبينا مميزات العمران بمدينة جيجل قديما و خلال السنوات الماضية بتعاقب مختلف الحضارات. حيث أكد الأستاذ بليبلي في هذا الصدد لجيجل الجديدة أنه بتاريخ 23 يوليو1856 زعزعت هزة أرضية مدينة جيجل وما جاورها، و بهذا إندثر تاريخ عمره أكثر من عشرين قرنا حافل بالأحداث و رموز حضارة عريقة.  حيث هدمت العديد من البيوت، الجامع الكبير و غيرهما، و شهدت المدينة التاريخية دمارا كبيرا.

         وذكر الأستاذ مصطفى بليبلي أن  مدينة “جيجل”  هي إحدى المدن الجزائرية من بين مجموعة مواقع موزعة من الشرق إلى الغرب ( عنابة، سكيكدة، القل،  جيجل، بجاية، الجزائر و وهران) على طول الشريط الساحلي و تمثل نفس التضاريس و هي موانئ طبيعية (خلجان) بفضل تقدم الأراضي والتلال باتجاه الشمال الشرقي كحماية لهبوب الرياح من الشمال الغربي.      حيث تقع “جيجل”  على  مرتفع طفيف ( هضبة) يهيمن على حوض مياه عميقة و هي الظروف الملائمة التي ساهمت في تأسيس مدينة منحصرة بين الجبال و البحر مصدرا المزيج الثقافي الذي يسودها مند القدم. و      تعتبر هذه المدينة  “جيجل” ملتقى عدة حضارات ولا تزال العديد من الآثار شاهدة على ما خلّفه الرومان والفينيقيون والقرطاجيون وغيرهم، وينحدر اسم المدينة  من لفظ “إيجيلجيلي” وهو تعبير يجد جذوره في الحقبة التاريخية إلى زمن تواجد الرومان، بل إلى الفينيقيين الأوائل، الذين أشاروا في مخطوطاتهم، إلى وجود شبه جزيرة على الساحل الشمالي الشرقي للجزائر، كان يطلق عليها مسمى “جيل جيل” نسبة إلى حيز صخري مستدير، وقد تغير اسم المدينة  بتعاقب مراحل التاريخ، فتحولت من إيجيلجيلي إلى جيجيلي وفي الأخير جيجل، ويعزى تأسيس المدينة في القرن السادس قبل الميلاد إلى القرطاجيين، وصارت تسمى إيجيلجيليس حين أصبحت مستعمرة تابعة للإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور “أغست” ثم صارت جزءاً من مملكة موريتانيا، عندما انفصلت هذه الأخيرة عنها عام 290 ميلادي.

     وأكد ذات المصدر أن هذه المدينة موصولة بمدينة بجاية بطريق بري، وكان لها علاقات عديدة بحرية وبرية أسهمت في إزدهارها إبان القرنين الثالث والرابع، وكان ميناؤها محطة لإنزال القوات الرومانية ومرفأ لشحن محاصيل القمح الآتية من منطقة سطيف، ولقد أدى التدهور التدريجي للإمبراطورية الرومانية إلى تحرر البربر في المناطق الجبلية واسترجاعهم شيئا فشيئا لعاداتهم الموروثة عن أسلافهم. وإذا كان المؤرخون لا يذكرون شيئا عما شهدته “جيجل” خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فإنّ فريقا من الباحثين يرجع ذلك إلى ما فعله “الاحتلال الوندالي” بالمدينة، حيث أحرق الونداليون ودمرّوا كل ما عثروا عليه على منوال ما فعله هولاكو ببغداد، فيما أكمل البيزنطيون مخطط الوندال، لدى احتلالهم “جيجل”، إلى أن جاء عصر الفتوحات الإسلامية، مطلع القرن السابع الميلادي، ولما كانت المدينة لها مكانة استراتيجية، فإنّ الفاتحين تحمّلوا مشقة عبور المغرب العربي وإسبانيا، وجعلوا من “جيجل” مركزا عربيا تابعا للقيروان تحت حكم الأغالبة.

     في بدايات القرن العاشر، انضم أهالي قبيلة “كتامة” الكبرى بالمنطقة الجنوبية لمدينة جيجل إلى الفاطميين، وتحالفوا معهم للقضاء على الحكم القيرواني عام 913 م، قبل أن يستقروا بمدينة القاهرة بمصر، وبعد رحيل الفاطميين، وقعت مدينة جيجل تحت السيطرة المتعاقبة لزيريي القيروان سنة 963 م،  ثمّ الحماديين عام 1007 م، وأخيرا الموحدين سنة1120 م، وفي سنة 1145 دخل النورمانديون بقيادة  “روجر الثاني”،  ولكنهم أخرجوا منها سنة 1155ميلادي،  غير أنّ التدفق الغربي لم يتوقف عن المدينة، فالجمهوريات الإيطالية الثلاث:البندقية، جنوة وبيزا، قد بنت نهضتها البحرية ونشطت تجارتها انطلاقا من الموانئ وبسبب ضعف الحكم العربي، فإن البيزيين  قدموا على وجه السرعة واستقروا بجيجل وأزاحوا عنها أهل جنوة، واستمر وجودهم إلى غاية الفتح التركي عام 1514 حين وجّه القائد “بابا عروج بربروس” أسطوله نحو سواحل جيجل ليقيم بها قاعدة لقواته انطلق منها نحو عاصمة الحماديين “بجاية” ليحررها من الاحتلال الإسباني سنة 1515م، ثم توّجه لتحرير مدينة الجزائر سنة1611م،  وبسبب كثرة هجمات الجيش الانكشاري بجيجل على سواحل إسبانيا، وتذمر الإسبان من تحطيم سفنهم، أرسلوا أسطولا بقيادة الماركيز “سانتا كروز” إلى جيجل قام بحرقها، لكن المدينة استرجعت وجهها وعمقها في السنة نفسها.

     في 23 يوليو من سنة 1664 م، قدمت حملة  فرنسية إلى جيجل بقيادة الدوق دي بوفور في عهد الملك الفرنسي “لويس الرابع عشر”،  لكنها دحرت وردت على أعقابها في أكتوبر من العام نفسه، و في هذه الفترة و التي ما قبلها  بالذات، كانت  جيجل محط أنظار ملاحي، رحالة و عسكر أوروبا إذ توفرت الكتابات و المخطوطات عن المدينة خاصة و المنطقة عامة نظرا لنشاطاتها المختلفة في العالم المتوسطي.

     بتاريخ 13 مايو 1839 أي بعد 9 سنوات من احتلال مدينة الجزائر، وبعد سنتين من احتلال مدينة قسنطينة دخلت القوات الفرنسية إلى جيجل وقد تجلت مقاومة الأهالي لهذه القوات بالهجمات التي نظموها في الفترة ما بين 1841 – 1845 م، من هنا بدأ الاستعمار الفرنسي الذي كان يقتصر على التعايش مع أهالي المدينة داخل الأسوار، وبعد ها أصبحت فكرة التوسع تهيمن على المعمرين الفرنسيين و التمهيد لبناء مدينة جديدة خارج الأسوار لأن الأولى أصبحت لا تتسع للعسكريين و المدنيين، مسلمين و مسيحيين.

     في 23 يوليو1856 زعزعت هزة أرضية المدينة وما جاورها، إذ هدمت العديد من البيوت، الجامع الكبير و غيرهما، هنا شهدت المدينة التاريخية دمارا كبيرا كان حجة كافية للإدارة الاستعمارية لإخراج المدنيين و إعطاءهم أراضي لبناء بيوت و مرافق في المدينة الجديدة و الغير بعيدة حيث أصبحت النواة التي تطورت منها المدينة الحالية.  أما بالنسبة لمدينتنا التاريخية فقد مسحت، حيث أعيد تحصينها بتقوية الأسوار الرومانية و أقيمت في أرضها قاعدة بحرية جديدة،  و بهذا إندثر تاريخ عمره أكثر من عشرين قرنا حافل بالأحداث و رموز حضارة عريقة.   

 
الشكل1 : خريطة لمدينة جيجل و ضاحيتها مؤرخة في سنة 1670م لجون أوجيلبي- لندن.

الشكل2 : خريطة لمدينة جيجل و ضاحيتها مطبوعة بفرونكفورت -سنة 1646م المصدر:

 وأشار الأستاذ بليبلي ، إلى أن الكثير من سكان مدينة جيجل السياحية وزوارها يتساءلون عن عدم وجود قصبة أو مدينة قديمة تعود إلى ما قبل الإستعمار رغم عراقتها و تاريخها الحافل بالأمجاد و البطولات،  وهل كل ما هو قديم فيها من صنع الفرنسيين فقط ؟ لأن معظم التراث من مخلفات الاحتلال الفرنسي الذي محي كل ما سبقه من أثار الحضارات المختلفة التي حطت في هذه المنطقة والتي لم يتبقى منها إلا مذكرات ورسومات متباينة تحكي و تصف الماضي المجهول.  منوها إلى  أن دراسة عمران هذه المدينة العريقة” جيجل” تم  عن طريق إعادة تشكيل ثلاثي الابعاد بواسطة الحاسوب، مؤكدا من جهته على أن الخوض  في هذا النوع من الأعمال ليس بالأمر الهين كونها في مفترق علوم  الحاسوب، العمارة، العمران، الآثار و التاريخ من جهة ومن جهة أخرى أهميتها و شرعيتها  التي ترتكز على البحث التاريخي الدقيق ومقارنة الوثائق والمصادر التاريخية المكتوبة منها و المصورة و كذا الأمثلة الحية كالمواقع الأثرية و المدن العريقة الشبيهة لاختبار النموذج المشكل.   وقد  أعتمد الأستاذ “بليبلي مصطفي”  خلال هذا العرض على تقنية إعادة التشكيل ثلاثي الأبعاد للمدن و الأنسجة العمرانية  مشيرا إلى أن بعض هذه الدراسات إعتمدت على الفوتوغرامترية أو الرؤية بمساعدة الحاسوب . وبعضها آلت إلى تطوير أدوات الاقتناء عن طريق الليزر المنتج لسحابة نقاط ثلاثية الأبعاد .  واتجهت بعض من الأبحاث إلى تطوير برامج التصميم بواسطة الحاسوب و أخرى على الإنتاج الذاتي للتمثيل المورفولوجي ثلاثي الأبعاد عن طريق استغلالها لقاعدة بيانات تشمل المعلومات المعمارية. حيث تزداد أهمية  و شرعية إعادة التشكيل  ثلاثي الأبعاد عندما تخص المدن القديمة و الأثرية لا سيما المندثرة منها و التي لم يتبقى منها إلى نقوشا، رسومات وكتابات وصفية، وهو  الأمر المتعلق بموضوع  مدينة جيجل التاريخية و التي يجهل حتى تواجدها الكثير من الناس. مؤكدا على أن  الهدف من هذا العمل هو التوصل إلى إعادة تشكيل ثلاثي الأبعاد للمباني وما يحيط بها  إعتمادا على الوثائق التاريخية و بالأساس المنقوشات، الخرائط و المخططات القديمة و كذا النصوص المكتوبة ( مذكرات الرحالة، الأرشيف   العسكري و كتب التاريخ الخ).   إذ أن هذه الطريقة المعتمدة تمكن من تحصيل وإنتاج فضاءات عمرانية في معظم الحالات. النموذج ثلاثي الأبعاد المتحصل عليه ، فرغم بساطته الهندسية يمكننا من رؤية المدن التاريخية بدقة من مختلف الزوايا و يشق أفاق جديدة للأبحاث في مجالات التاريخ، العمارة و العمران.

إيمان.م

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد