الرشوة ترياقٌ جزائريٌّ لجميع المشاكل

110

من الواضح أن انتشار الرشوة في الجزائر مرده غياب الشفافية والبيروقراطية، هذا الإعجاز الوطني الفريد ثم الترسانة القانونية التي تجعل من طلب وعرض الرشوة الترياق الوحيد للدخول إلى الحقوق والخدمات.

فالجزائر تملك أجهزةً أمنيةً ودرايةً بالتركيبة الذهنية للجزائريين وحتى الحياة الجنسية للنمل الأبيض، وبالتالي يفترض فيها تفكيك شفرات ظاهرة الرشوة والنهب التي أصبحت الرياضة الأولى للمسؤولين الجزائريين والحماة الحرامية إلا من رحم ربي.

فليس هناك أكثر مدعاة للضحك من حديث المسؤولين عن الشفافية والرشوة في الجزائر، وهم المتعهد الرئيس للرشوة التي أصبحت نمط تسيير وحياة وتوازن بيولوجي للنظام.

فهم أصحاب تجربة كبيرة وطويلة في رسكلة الفشل والإخفاقات والاستخفاف بها وتبريرها علاوة على امتلاكهم لحزمة كبيرة من البدائل الديماغوجية والابتدال والميوعة وتعويم المسؤوليات التي أصبحت من الثوابت الراسخة لهكذا نظام يذبح في الماء.

 فالرشوة في الواقع هي إحدى الهيئات الهلامية الحاكمة في البلاد، بل هي أكسير حياة الدولة العميقة والمحدد لخط سيرها كونها منتوجًا لهذه الهيئات لذا لا يعقل محاربتها.

لقد كرست مسرحية محاكمة الخليفة هذا الاستخفاف عند تحديد المسؤوليات على مستوى وزير مالية تلك الفترة وأمين عام المركزية النقابية اللذين أقرا بالذنب على سبيل الحصر، الأول رقي إلى وزير للخارجية ثم رئيس للمجلس الدستوري والثاني عينت له حراسة مقربة بسيارة مصفحة في سابقة فريدة من نوعها منذ القرن الثاني قبل الميلاد، مسرحية فاشلة للتغطية على خوصصة بعض المؤسسات الوطنية التي تم التخلص منها بتلك الطريقة الإجرامية مع سبق الإصرار.

ففي الجزائر سوء تسيير مقنن ومتعدد المستويات تحكمه بيروقراطية من العهدين اليوناني والفرعوني، تؤطرها عبقرية جزائرية معجّزة في خصوصيتها، فالرشوة في الجزائر ترياقٌ وعلاج يتم تحت الرعاية السامية للسلطات العليا، يستخدم في تشحيم المحازق الصدئة من أجل الدخول إلى الحقوق والثروة والوصول الى صناع القرار الذين يلجؤون إليه سواء في حياتهم الخاصة أو بصورة رسمية لشراء السلم الاجتماعي من خلال الدعم لشراء السلم الاجتماعي في شكل رشوة سياسية.

فالرشوة ظاهرة عادية جدا في الجزائر، فهناك رشوة سالبة وأخرى موجبة (مانح ومتلقي) فإن لم تعرض الرشوة يطلبونها منك بل وهي العقد الاجتماعي العرفي المتفق عليه ضمنيا، فالجزائر دولة رائدة في ترقية الترتيبات والقواعد التي تحكم عرض وطلب الرشوة والتي يمكن تلخيصها في التوزيع الإداري للمنافع وفي المحاباة والمحسوبية وروح نهب الخزينة.

وهكذا أصبح حزب الرشوة أكبر كارتل يتجمع حوله جماعات المصالح والنفوذ والجماعات الضاغطة للدفاع عن المصالح الكبيرة الناجمة عن الرشوة وهو الكارتل الذي يجمع في صفوفه نبلاء النظام ومحيطهم الواسع الذي أصبح يتحكم في الحياة الاقتصادية والسياسية.

يتبع…

ثانيا وأخيرا: الرشوة ترياقٌ جزائريٌّ لجميع المشاكل

إنها المجموعة الوحيدة المتضامنة أكثر من غيرها، تملك المال والسلطة وتجيد المناورة والاختراق واستخدام جميع الوسائل غير الأخلاقية للتصفية والتحييد بما فيها القذرة منها وحتى العنف من اجل الحفاظ على امتيازاتها وبقائها.

 إنها الحزب الذي تضاعف أعضاؤه بسرعة رهيبة في العشرين سنة الأخيرة على وجه الخصوص، يتعارفون فيما بينهم بالنشاط وأحيانا بالاسم فقط، تجمعهم أروقة الإدارة والموانئ والجهات حيث يكثر طلب وعرض الرشوة في بلد أدفع تمر.

فهل يعقل الحديث عن محاربة الرشوة والفساد في الجزائر وحتى عن النمو والتنمية في ظل أجهزة هشة وقوانين بالية وأجهزةٍ مخترقةٍ وعدالةٍ مريضةٍ وقضاة عبيد للسلطة وتحت الضغط وعرضة لفقدان الخبزة. فمن هو القاضي أو النائب العام في تلك الفترة الذي بإمكانه تحريك دعوى عمومية مثلا في قضية نهب للمال العام يملك ثلاثة ملايين دليل إثبات بدون أن يتلقى الضوء الأخضر من الحماة والرعاة وإلا سيجد نفسه في مهب الريح. لقد وقعت أشياءٌ تتصل ليس فقط بالرشوة بل بنهب المال العام تشيب لها أصداغ الخنزير البري.

لقد أمر رئيس الجمهورية “عبد المجيد تبون” بإجراء تحقيقات في البلديات التي تدور شبهات كثيرة حول رؤسائها الذين تحولوا إلى مليارديرات قبل منتصف العهدة، حيث يمكن للمصالح المختصة الوصول إلى رأس الخيط بسهولة وذلك بالاعتماد على الموظفين في البلديات إذا ما ضمنت لهم الحماية بالإضافة إلى تعاون المواطنين الذين تعرضوا للمساومات والضغوطات والدفع مقابل تسوية أوضاعهم غير القانونية. في بعض البلديات في ولاية “جيجل”، حيث تحقق السلطات الأمنية وقعت عملية نهب وابتزاز على مرأى من السلطات العمومية للولاية، ينتظر المواطن” الجيجلي” الكشف عنها.

جناح. مسعود

الإعلانات

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون موافق قراءة المزيد