الوضوح والمسؤولية

الباحث والمهندس المعماري، مصطفي بليبليي في حوار لجيجل الجديدة: التاريخ المحلي لولاية جيجل يجب أن يكون اولوية قصوى لجميع الباحثين..

نزل مؤخرا الباحث والمهندس المعماري، بليبلي مصطفي،  ضيفا بمنبر جيجل الجديدة، للحديث عن العرض القيم الذي قدمه بالمركز الثقافي الإسلامي منذ اقل من  شهر، يتمحور موضوعه حول تاريخ مدينة جيجل قديما، أين كشف لنا أن الهدف من هذا العمل هو جمع التاريخ المحلى لولاية جيجل ومنعه من الاندثار، معتمدا على تقنية التشكيل الثلاثي الأبعاد لضمان فهمه واستيعابه من طرف الجمهور ومتلقي  المعلومة التاريخية، مستغنيا عن  الطرق  التقليدية التي تعتمد على المخطوطات والصور الجامدة..

بداية حدثنا عن العرض الذي قدمته مؤخرا بالمركز الثقافي، ما الغاية منه  وما هي الأفكار التي أردت إيصالها للقارئ؟؟

هذا العمل القيم جاءت نتائجه بعد بحث طويل وشاق،  إذ تزامنت فرصة عرضه مع ميلاد جمعية جيجل العتيقة التي بدأت نشاطها الفعال مؤخرا، وبحكم معرفتي المسبقة مع القائمين على الجمعية بحكم تبادل المعلومات التاريخية والصور من الحين لآخر معهم، كان  طاقم الجمعية على علمبأنني بصدد إعداد بحث جديد ومشوق يمزج بين التاريخ  والصور الرقمية الحية، يخص موضوع تاريخ المدينة القديمة، اين تم عرض هذا العمل بالمركز الثقافي الاسلامي بحضور عديد الشخصيات والمهتمين بالتاريخ عموما وكذا الطلبة. ولعلم الجميع منذ سنوات 2012 وانا أطمح لتقديم مثل هكذا أعمال  تتيح للباحثين التوسع أكثر و كشف التاريخ الحقيقي لمدينة جيجل  قصد حفظ الموروث المحلي من الاندثار، ففي 2012 لم استطع تحقيق مرادي إلا انني اليوم  و مع بلوغ سنة 2019 تمكنت من ذلك بفضل إصراري من جهة، و تطور تكنولوجيا الإعلام الالي من جهة أخرى، ففي السنوات الماضية كنا نجسد المخططات والرسوم والوثائق  أما اليوم نستطيع  تحريكها بتقنية التشكيل ثلاثي الأبعاد وبخفة كبيرة وقد تفاعل الجمهور أكثر مع هذه التقنية  المتبناة  في عرض الحقائق التاريخية أحسن من الصور الصماء الموجودة بالكتب بحيث لا يفهم القارئ محتواها بشكل جيد. هذا ويذكر أن الكثير من الباحثين والزوار والسياح يقصدون ولاية جيجل للاستجمام وأخذ صور تذكارية أمام المعالم التاريخية المتواجدة بالمنطقة مثلا سفينة بابا عروج لكنهم يجهلون تاريخها الكامل، فالبعض  يعرف ان قاعدة عسكرية كانت موجودة  بجيجل لكن لا أحد يملك صورة لهاته المدينة  أو التركيب العمراني التي كانت تتميز به آنذاك ، فما هو الموجود هو عبارة عن  صور البحارة  والمستكشفين الأوروبيين، فكما ورد في  كتب التاريخ  فقد عرفت المنطقة توافد البحارة  الأتراك  والقراصنة الذين  صنعوا قاعدة بحرية للقرصنة في البحر الأبيض المتوسط، فقبل بلوغهم الجزائر العاصمة  شيدوا مركز خاص بهم هنا بجيجل، و عدة مستكشفين كانت تستهويهم جيجل فكانوا يأتون إليها من أجل أخذ صور لجبالها ومعالمها بهدف احتلالها  فهي محل طمع الأوروبيين، الهولنديين، الفرنسيين، الإسبانيين، الإيطاليين، البرتغاليين.

من ناحية  الإطار العلمي الأداة التي اعتمدتعليها هي الإعلام الالي وهي برمجة ثلاثية الأبعاد،  وهذا بهدف كتابة  وجمع تاريخ ولاية جيجل المفقود والمندثر، فمهمتنا الاساسية هي جمع تراث الولاية، من بين أهم الأهداف ايضا تبيان أن جيجل غير منحصرة في سكان وسط المدينة، فحسب رأي ولاية جيجل ستعرف تطورا ملحوظا بالتفاف أهلها  وتكاتفهم في سبيل كتابة  تاريخها المشوق وتقديم معلومات صحيحة للأجيال  زيادة على المعارف التي تم جمعها في كتب التاريخ، فتاريخ جيجل هو مشروع جماعي .

ما الهدف من اعتمادك  على تقنية التشكيل ثلاثي الابعاد؟

 كما ذكرت سابقا منذ سنة 2012 وانا أطمح للاعتماد على التقنيات الرقمية، وجاءت الفرصة اخيرا مع تطور تكنولوجيا الإعلام الالي. فطريقة العمل في السابق كانت تنحصر في المجسمات  بالمعنى الفيزيائي المادي الملموس، أما الان فبواسطة تقنية التشكيل ثلاثي الابعاد انتقلت إلى المجسم الافتراضي بالاعتماد على الحاسوب،  باعتبار أنني في مجال الهندسة المعمارية،  فأدوات المهندسين في تطور مستمر و الوسائل ستتغير وكذا طريقة العمل والنتائج. و الهدف من استعمال هاته التقنية عموما هو منح أولوية قصوى للتاريخ المحلى، وتطبيق كل المعارف التي تعلمتها خلال مسيرتي  والتعريف بمدينة جيجل وكذا تبادل الآراء،  فكل اجتهاد يحتاج إلى تصويب ومعلومات مكملة.

هذا العمل كان فرديا لماذا؟ وهل واجهت صعوبة كبيرة في الحصول على الوثائق التاريخية سيما القديمة منها؟ ومن أين تحصلت عليها؟

هذا الأمر كان حتمي وراجع لعدة أسباب ذاتية والموضوعية، من بينها تعارض الأفكار مع الباحثين علاوة عن  ضغوطات الطرف الاخر. وبالتالي هذا العمل كان فرديا  واجتهاد من شخصي  في سبيل  تبيان تاريخ ولاية جيجل، وفق منهجية منظمة ووثائق تاريخية واجهت صعوبة كبيرة في للحصول عليها،  فلولا المساعدة التي تلقيتها من الباحث والمهندس المعماري حنوف فوزي ابن ولاية جيجل، لما اكتمل هذا العمل،فقد كنت حينها متواجدا بفرنسا وقام حنوف بتصوير كل الوثائق المتواجدة بمصلحة الأرشيف  العسكري للدفاع الفرنسي في قصر فرساي بباريس متحف اللوفر، وانا بدوري في تلك الفترة كنت بصدد  جمع الصور التاريخية ، التقينا وحدثته عن مشروعي  عندها منحني كل الأرشيف الخاص به والذي يتمحور أساسا حول تاريخ جيجل بداية  من 1830، يعني ماذا فعلت فرنسا بولاية جيجل، وانا في تلك الفترة  كنت أبحث عن تاريخ  ولاية جيجل قبل دخول الاستعمار الفرنسي إليها، باعتبار أن الفرنسيين حينما دخلوا إلى جيجل قاموا بتصوير المدينة القديمة.

ممكن نرجع لتاريخ مدينة جيجل قديما، كيف كانت من الناحية العمرانية وتقسيم الإحياء، وهل هناك معلومات تاريخية عن القلعة المدينة القديمة؟

خلال بحثي عن تاريخ منطقة جيجل قديما اعتمدت على الأرشيف الفرنسي، وكتاب المدن المغاربية، الذي تم فيه عرض المدن و تصنيفها  وذكر مكونات المدينة المغاربية، الجامع الكبير، السوق،  الحصن او السور القلعة،  وهناك ما يسمى بالقصبة، فمن الناحية الشكلية للمنازل  كانت تحتوى على بهو  والدار تنفتح على الداخل، اما النسيج العمراني وشبكة الطرقات للمدينة القديمة كانت عبارة  عن مسالك  غير مستقيمة وغير متوازية في غالب الاحيان  مسدودة( السقيفة)، وهذا من الخصائص العمرانية القديمة للمدن.نجد طريق اساسي  وطرق ثانوية واخرى متشعبة، حتى من الناحية الشكلية للعمران اتبعنا مدينة قسنطينة بالاعتماد على القرميد التي يعود أصله للرومان. وبالعودة إلى القلعة تاريخ المدينة القديمة، سور القلعة تم بناءه من طرف الرومانيين، وبعدها جاء العرب والمسلمين و جلبوا نموذج اخر للعمران منها الطرقات المتشعبة و البيوت بالقرميد الأحمر. لهذا تبقى  ولاية جيجل خليط من الحضارات المتعاقبة، الجينوة، الإيطاليين، الرومان، الأتراك، الأمازيغ ونحن نتاج هذا الاختلاط .

أشرتم من خلال بحثكم عن تاريخ مدينة جيجل إلى أن الكثير من السكان يتساءلون عن وجود قصبة او مدينة قديمة يعود تاريخها إلى ما قبل الاستعمار،  كيف اندثر تاريخ المدينة و هل لزلزال يوليو 1856 أثر في ذلك؟

 نعم كما نعلم جميعا الاستعمار الفرنسي بدأ بمسح اثار المدينة القديمة، التي كانت موجودة والمتعلقةبالحضارة الرومانية و الفينيقية، و تم  نقل  مختلف المعالم التاريخية إلى متحف اللورد بباريس،  وهنا بدأت مرحلة جديدة من الاستعمار الذي قام بتدمير بعض المنازل بجيجل مركز والاستيطان فيها، أما  عن زلزال 1856 فكان له اثر بالغ في محو تاريخ المدينة التي اختفت معالمها كليا، اذ بقي الصور الروماني فقط  والذي لايزال موجود تحت الصور الفرنسي. فمن خلال تلك الحقبة الزمنية بدأ الفرنسيون في  بناء المدينة الجديدة بجيجل مركز، وللتوضيح هناك من يقول ان الاستعمار الفرنسي قام ببناء المدينة الجديدة على جثث ضحايا الزلزال وهذا غير صحيح، فعند حدوث الكارثة الطبيعية كانت معظم البيوت بسيطة لا تسبب أي ضرر والسكان قاموا بالهرب عند وقوع الزلزال بحيث تم تسجيل  وفاة شخص واحد فقط .

            كلمة أخيرة…

في الأخير أجدد شكري للباحث والمهندس المعماري حنوف فوزي، على مساعدته القيمة، وادعو كافة الباحثين للالتفاف حول التاريخ المحلى لولاية جيجل ومحاولة جمعه وتدوينه قبل ضياعه، بالاعتماد على مختلف الوسائل المتاحة خصوصا بتطور  تكنولوجيا  الإعلام والاتصال الحديثة. ايضا اشكر جمعية جيجل العتيقة وكل اعضاءها الناشطين وعلى رأسهم السيد جمال الدين حاجي، واطلب من سكان المدينة والإدارة عموما الإلتفاف حولها  ومساعدة هاته الجمعية لما تقدمه في سبيل  ابراز تاريخ المنطقة.

                                                                           حاورته: إيمان.م

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون موافق قراءة المزيد